محمد بن أحمد الفرغاني

34

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

وتقدير البيت : يميني فيّ ، أي في مظهري وبيتي الذي هو الكعبة ركن مستحب تقبيله هي من تلك الصّفات التي تحتجب بها ذاتي ولثمي جزءا من الكعبة وهو الحجر الأسود واقع في فيّ لحكمة ومصلحة لي في ذلك . وأما سرّ كون الحجر الأسود يمين اللّه ، فباعتبار أن اليمين يتضمّن معنى القدرة والقوّة المنبئة عن القهر والحمل على الخضوع والخشوع والتواضع لمن قامت به وظهرت منه تلك القوّة والقدرة ، ويتضمّن أيضا معنى اليمن والبركة بالإحسان والإنعام وإفاضة الخير . أمّا بالمعنى الأول ، فأيّ قوة وقدرة وقهر أعظم وأظهر وأتمّ من أنه حمل جميع من فهم من موجده شيئا وأطاعه لذلك على أن يتواضعوا له ويخضعوا ويخشعوا ويكبّوا على وجوههم إليه من الجبابرة والمتكبّرين وغيرهم ، حتى إن أكمل الخلق وأشرفهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم تواضع له وخضع وبكى ، وقال : « ههنا تسكب العبرات » . وأمّا بالمعنى الثاني المبني على الأول ، فبإعطائه إيّاهم في مقابلة ذلك الخضوع والتواضع من النعيم المقيم والدرجات في الجنّات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، والإشارة إلى ما قلنا ما ورد أن عمر رضي اللّه عنه قال مخاطبا للحجر : « أنت حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبّلك ما قبّلتك » « 1 » ، فقال له عليّ كرم اللّه وجهه : مه يا عمر ، هذا حجر يضرّ وينفع . قوله : وتقبيلي جزءا من قبلتي واقع في فيّ للحكمة والمصلحة هذا بلسان مقام أحدية الجمع ؛ وذلك لأن في نظره من حيث هذا المقام يظهر له أن كل مظهر وظاهر وباطنهما ومحلّهما كلّها ليس إلّا تعيّنات ذاته وصور نسبه وتنوّعات ظهوره عندما تفصّلت ذاته علما ووجودا ؛ فلا جرم يرى الكعبة من بعض صوره ومظاهره من جهة أن المظهر عين الظاهر ، وكل مقبّل للحجر إنما يراه عين ذاته مقبّلا في فيّ هذا الرائي صاحب مقام أحدية الجمع ؛ لأنه يرى الحجر عين فمه ، باعتبار تكلّمه به

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في بابين أحدهما : باب ما ذكر في الحجر الأسود ، حديث رقم ( 1520 ) [ 2 / 579 ] ؛ ورواه مسلم في صحيحه ، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود ، حديث رقم ( 1270 ) [ 2 / 925 ] ؛ ورواه غيرهما .